الاثنين، 6 يناير 2014

مفهوم التغير الاجتماعي :




لقد حظي موضوع التغير الاجتماعي على اهتمام الفلاسفة والعلماء والباحثين على اختلاف تخصصاتهم ، فقد عرف "هرقليطس" التغير الاجتماعي بقوله التغير هو قانون الوجود ، وأن الاستقرار موت وعدم، وشبه التغير بجريان الماء فقال:"أنت لا تنزل النهر الواحد مرتين، فإن مياه جديدة تجري من حولك". ويشهد الواقع والتاريخ على أن المجتمعات الانسانية لاتثبت على حالة واحدة دائما، شأنها شأن الأفراد ومظاهر الكون. فهي في حالة تغير مستمر لا يمكن إيقافه، وكذلك المجتمعات فهي في حالة دائمة من الحركة والتعديل والتغيير.


والتغير هو أحد الحقائق التي تميز عالم الانسان عن عالم الحيوان فالحيوانات لا تغير من نماذج وأساليب حياتها، وإذا حدث تغير طفيف فإنه لا يقارن بما يحدث في العالم الانساني، ومع ذلك فإن التغير في العالم الحيواني إنما هو تغير بيولوجي فقط، والانسان هو الكائن الحي الوحيد الذي يستطيع فقط أن يتكيف مع بيئته وإنما يستطيع أن يخلق بيئة جديدة. التغير الاجتماعي إذن حقيقة واقعة، والاختلاف هو في معدل سرعته من مجتمع إلى آخر، فقد يكون سريعا في مجتمع، وبطبئا في آخر، ولكنه موجود وقائم فعلا وانعدامه شيء مستحيل. انه سمة أساسية من سمات الحياة الاجتماعية حدث ومازال يحدث منذ فجر التاريخ وحتى وقتنا الحاضر.


في حين ذهب "جون ديوي" إلى القول: إذا كانت الحركة هي الحقيقة االفيزيقية الأولى - كذلك فإن التغير حقيقة اجتماعية. أما "أوجست كونت" فقد تعرض لموضوع التغير عندما تحدث عن الفرق بين الاستاتيكا الاجتماعية والديناميكا الاجتماعية. فالأولى (الإستاتيكا) هي دراسة المجتمعات في حالة استقرارها - أي دراسة المجتمع خلال فترة زمنية معينة من تاريخه. إما الديناميكا الاجتماعية، فهي دراسة قوانين الحركة الاجتماعية والسير الآلي للمجتمعات الانسانية والكشف عن مدى التقدم الذي تخطوه.


وبالرغم من مراحل التطور التي مر بها علم الاجتماع منذ نشأته حتى الآن فمازال موضوع التغير الاجتماعي social change من حيث التعريف والأسباب مصدرا لعدم الاتفاق بين علماء الاجتماع نتيجة لاختلاف أرائهم وتعدد انتماءاتهم. الأمر الذي انعكس بصورة واضحة حتى على مستوى تحديد ماهو المقصود بالتغير الاجتماعي، فمنهم من وسع من نطاق المفهوم، ومنهم من اختزله بطريقة افقدته مضمونه ومعناه. ولكن على الرغم من ذلك لا نستطيع بحال من الأحوال أن نقلل من شأنهم أو نتجاهل دورهم فهم الذين كان لهم السبق في هذا المجال ولفتوا الأنظار إلى أهميته ودوره في المجتمع. ومن ثم سوف نعرض لبعض تلك التعريفات حتى نستطيع الوقوف على حقيقة مفهوم التغير الاجتماعي.


يؤكد البعض إن التغير الاجتماعي هو تغير ذو معنى هام في البناء الاجتماعي والثقافة. ومن ثم يجب فهم المقصود بالبناء الاجتماعي والثقافي من أجل فهم التغير الاجتماعي. فمقهوم البناء الاجتماعي يعني شبكة العلاقات الاجتماعية التي يتم التفاعل فيها بين الأفراد بحيث تصبح شبكة روتينية أو مكررة. أما على المستوى النظري المجرد فيمكن النظر إلى البناء الاجتماعي على أنه أدوار اجتماعية مستمرة، والمجموعات والتنظيمات والمؤسسات والمجتمعات.
ولكن يجب ألا نركز فقط على الجوانب البنائية، بل لابد من ربطها بالجوانب الثقافية حيث أن الفصل بينهما إنما هو فصل تعسفي ولايمكن حدوثه في الواقع الاجتماعي فإذا كان البناء الاجتماعي هو شبكة العلاقات التي يعيش فيها الناس، فإن الثقافة هي طريقة العيش التي تتضمن اللغة والرموز والمعرفة والمعتقدات والقيم والمعايير ومن ثم فإن أي تغير سواء في البناء أو الوظيفة سوف يؤدي إلى التغير الاجتماعي أي تقديم الصورة الكاملة للتغيير، حيث يجب أن نهتم بالعوامل البنائية مثل السكان، الأسرة، حجم التنظيمات وتعقيداتها، وكذلك أيضا كيف يواصلون التغير في الثقافة.


يرى فريق من الباحثين أن التغير change يعني اختلاف ما بين الحالة الجديدة والحالة القديمة، أو اختلاف الشيء عما كان عليه خلال فترة زمنية محددة وحينما تضاف كلمة الاجتماعي social التي تعني ما يتعلق بالمجتمع فيصبح التغيير الاجتماعي هو التحول الذي يطرأ على البناء الاجتماعي في الوظائف والقيم والأدوار الاجتماعية خلال فترة محددة من الزمن.


وقد يكون هذا التغير ايجابيا أي تقدما وقد يكون سلبيا أي تخلفا. أي ليس هناك من اتجاه محدد للتغير الاجتماعي يدل على العملية التي تحدث من خلالها تغيرات جوهرية في البنيان الاجتماعي والمهام الخاصة بالأجهزة الاجتماعية. ويقصد بالبنيان الاجتماعي تلك التغيرات التي تحدث في أنماط التفاعل بين الأفراد والعلاقات الاجتماعية بينهم والتي تحكمها المعايير الاجتماعية من ناحية، ونظام الثواب والعقاب أي الدافع والرادع من ناحية أخرى. أما التغير في المهام الخاصة بالأجهزة الاجتماعية فهي تلك التغيرات الخاصة بوظائف العناصر المكونة لهذه الأجهزة مثل دور العبادة والأسرة، التعليم، الصحة، المؤسسات السياسية والاقتصادية والقانونية والإعلامية. وعليه فإن التغير الاجتماعي من حيث القيم والمعايير، والانتاج الثقافي الرمزي (المعنوي) والمادي .


وربما جاء تعريف "رادكليف براون" أقرب إلى تلك التعريفات حيث ذهب إلى القول إن لفظ التغير change والأكثر دقة منه لفظ عملية process- لفظ غامض فيما يتعلق بالمجتمعات البدائية - حين نشاهد حفل زواج والنتائج المترتبة المترتبة عليه، فهناك رجل وامرأة ارتبطا منذ الاحتفال بزواجهم بعلاقة زواجية، ومن الواضح هنا إننا أمام تغير change أو عملية process، هناك تغير حدث في البناء الاجتماعي. أما النوع الاخر من التغير، فيقع في المجتمع إما نتيجة عوامل تأتي من الخارج "كالاحتكاك الثقافي" ومهما كان التغيير كبيرا أو طفيفا، فإن المجتمع يمر من حالة معينة للبناء الاجتماعي إلى حالة أخرى جديدة.
ويذهب فريق ثاني إلى القول بأن التغير الاجتماعي هو بمثابة عملية انتقاء وتأقلم بيولوجية، وأنه عبارة عن عملية تقدم من الأشكال البسيطة إلى الأشكال المعقدة.

 بينما يرى فريق ثالث أن التغير ظاهرة مكررة دائمة الحدوث، وأن تأثيراته قد أصبحت واسعة النطاق بفضل التطورات التي طرأت على وسائل الاتصال، وأن التفاعل بين طوقين أو أكثر شرط أساسي لحدوث التغير.

في حين يرى فريق رابع على مفهوم التغير الاجتماعي بمعناه الشامل فذهبوا إلى القول بأنه هو العلملية التحويلية في النظم الاجتماعية، وتحتوي هذه النظم أنماط الفعل والتفاعل وماينتجه من معايير - قواعد السلوك - وقيم وثقافة الرموز. فهو معنى أدق التعديلات التي تحدث في شتى أنواع الحياة في مجتمع ما أو شعب من الشعوب كنتيجة لعوامل كثيرة متعددة في فترة زمنية محددة.

وعلى الرغم من كل الاختلافات السابقة بين العلماء والباحثين يمكننا تعريف التغير الاجتماعي، بأنه عملية حركية اضطرارية مستمرة متتابعة. بمعنى الاختلافات والتعديلات التي تطرأ على أنماط العلاقات الاجتماعية كالسلوك الاجتماعي، وطبيعة ومضمون وبناء الجماعات والنظم خلال فترة معينة من الزمن وبحيث يمكن ملاحظتها وتقديرها، ويحدث نتيجة عدة عوامل متداخلة ومتشابكة ويؤثر بعضها في بعض. ومن ثم لا يأخذ صورة واحدة فهو ذو أنماط ومستويات مختلفة .










الأربعاء، 4 ديسمبر 2013

العولمة والتغيرات الثقافية :



وبرغم انطلاق حركة العولمة بشكل اقتصادي ، الا أن الانعكاسات والامتدادات الاجتماعية والثقافية أصبحت واضحة ولا يمكن التغاضي عنها  أو إغفالها وقد أخذت بعدا جديدا وحجما كبيرا منذ مطلع العقد الأخير من القرن العشرين ، مع التطورات السياسية العالمية من ناحية ، وانتشار ثورة الاتصالات والمعلومات من ناحية أخرى ، مع ما يرافق ذلك من فرص وتحديات وتداعيات تعتمد في طبيعتهاروآثارها على قدرة المجتمعات على التعامل مع كل هذه التطورات .


وتمثل نظرية صراع الحضارات المقاربة السلبية والنهج المتشائم لتقييم البعد الثقافي لحركة العوملة ، وهو التقييم الذي يحكم على الامتدادات الثقافية للعولمة بعدوانية والاستعلاء والعنصرية . وعلى الرغم من مغذى هذه النظرية وما يمكن أن يدعمها من قوى اقتصادية وسياسية وعسكرية ، فإنها لا تخلو مع ذلك من نقاط ضعف كثيرة تثير التساؤلات حول مصداقيتها ، ليس أقلها أهمية أن دوافع صاحبها ذات أبعاد سياسية واستراتيجية وأمنية أكثر منها فكرية وبحثية واستشرافية ، وأنها انبثقت من بيئة لا تستطيع  المزايدة بالعراقة الثقافية قياسا ببعض الثقافات العالمية . وقد برز مقابل ذلك نظريات أخرى تطرح مفهوم "حوار الثقافات" وهو مفهوم يؤدي بالنتيجة إلى تعظيم المردود الثقافي الإنساني عن طريق قبول الآخر والتفاعل معه . وإذا كان مفهوم " الندية " بين الدول الغنية والفقيرة غير ذي وزن أو مغزى من الناحية العملية في عالم الاقتصاد والسياسة والقوة العسكرية، فإن وزنه ومغزاه لا يمكن إغفالها أو التغاضي عنهما في عالم الثقافة . وقد يكون إنشاء برلمان الثقافات في مطلع القرن الحادي والعشرين في " أنقرة " بتركيا ذات مغزى في هذا المجال ، وتعبيرا عن الحاجة إلى ترسيخ مفهوم الندية ، وهو المفهوم الذي تلاشى أو كاد في معظم المجالات الأخرى .


ولكن على الرغم من ذلك تحاول الدول المتقدمة في الفترات الحديثة من خلال العولمة أن تعيد إنتاج هيمنة الدول الكبرى القديمة ، وتقديمه في صورة جديدة ، عن طريق مؤسسات دولية مستحدثة ، وتأتي العولمة الثاقفية من خلال خلق ثقافة عالمية عن طريق توحيد الآراء في المسائل العالمية ، وفرض أذواق جديدة واحدة ، وسوق استهلاكية عالمية ، تغير من العادات المحلية و تنزع بالناس إلى العالمية في الفكر والسلوك .
إن أهم مايميز مطلع القرن الواحد والعشرين هو تزايد الهيمنة الثقافية وما تشكله من غرهاب ثقافي حضاري يتعارض مع طبيعة الإنسان. وذلك أن عملية التفكيك التي تتم في إطار الهيمنة الثقافية تهدد كيان الفرد والمجتمع ، بل وتشكل خطرا على الإنسانية جمعاء . فثقافة الهيمنة تسعى على تفكيك الفرد من أسرته وأمته ، ومن بيته باسم الفرد مرة ، والحرية الشخصية مرة ثانية ، والحداثة والتطوير مرة ثالثة ، وتحرير المرأة مرة رابعة ، وأخيرا باسم تحرير الشعوب . وهذا كله يصور لنا على أنه نتاج حضارة إنسانية عامة يلتزم الجميع بها باعتبارها استجابة لنوازع طبيعية في الإنسان ، ومن ثم فإن انتشارها حتمي ولابد من الخضوع لها .


وقد جاءت العوملة بما تحمله من تقنيات حديثة وأسلحة متعددة
 لتلعب دورا محوريا في عملية التغيير الثقافي وكان من أبرز ملامح هذا التغيير :

1- الاتجاه نحو صياغة ثقافة عالمية : إن العالم اليوم يتجه نحو إقامة ثقافة تتناسب والهيمنة الاقتصادية والسياسية وما تتطلبه من معايير ، أهمها نشر ثقافة السوق وفتح البلدان في وجه الثقافة الغربية وما تحمله من تقانة . حيث تسعى هذه الدول وعلى رأسها الولايات المتحدة نحو دمج العالم كله في ثقافة واحدة هي الثقافة الغربية الليبرالية ونشر قيمها ومعاييرها . و تسعى الدول المهيمنة إلى تنميط جميع ثقافات العالم وإدخالها في إطارها الخاص يساعدها في ذلك وسائلها القوية التي لم تتوافر من قبل . وهي ثقافة تسلطية نتيجة شعورها بالقوة واستغلالها السياسي وتوافر وسائل الهيمنة ، ولذلك فهي الجزأ المكمل للاستعمار الحديث . وعلى رأسها الولايات المتحدة نحو دمج العالم كله في ثقافة واحدة هي الثقافية الغربية الليبرالية ونشر قيمها ومعاييرها . وتسعى الدول المهيمنة إلى تنميط جميع ثقافات العالم وإدخالها في إطارها الخاص يساعدها في ذلك وسائلها القوية التي لم تتوافر من قبل . وهي ثقافة تسلطية نتيجة شعورها بالقوة واستغلالها السياسي وتوافر وسائل الهيمنة ، ولذلك فهي الجزء المكمل للاستعمار الحديث .


ولقد كان أول ضحية للعولمة الرأسمالي أكثر من 5000 أمة فقدت لغتها وثقافتها وأرضها ومواردها وأدمجت قسرا في حياة لا توافق عليها ولا ترغب بها ، ويقدر عدد قتلى الصراعات بين الأمم والدول في ال 50 سنة الفائتة بخمسة ملايين نسمة ، وأكثر من 15 مليون لاجئ ، وأرغم أكثر من 50 مليونا على ترك مواطنهم وأصبحوا مشردين داخل دولهم وأوطانهم .


وجاءت مكونات تلك الثقافة الأمريكية المهيمنة – كما حللها بعض الباحثين الأمريكيين – على جل الثقافات في العالم ، تقوم على خمسة افتراضات أساسية هي :
الافتراض الأول : وهو الفردية التي ترمي إلى إلغاء الطبقة والأمة كإطار اجتماعي .
الافتراض الثاني : وهو الخيار الشخصي الذي يكرس نوعا من السلوك الأناني ويلغي مبدأ التعاون ز
الافتراض الثاللث : وهو الحياد ، بمعنى أن الفرد يعيش محايدا والآخرين المحيطين به كذلك ، مما يؤدي إلى انعدام التزامه بأي قضية جماعية وطنية أو قومية أو أخلاقية .
الافتراض الرابع : وهو الاعتقاد بأن الطبيعة البشرية لا تتغير ، فيها الغني والفقير والأبيض والأسود والقوي والضعيف ، وهي أمور طبيعية كالليل والنهار .
الافتراض الخامس : غياب الصراع الاجتماعي كأداة للتغير يؤدي إلى الاستسلام للشركات المستغلة ، واقليات متسلطة ، وغياب التغير المبني على الصراع الاجتماعي .


2- الاتجاه نحو نشر ثقافة الاختراق : وكان من أبرز جوانب التغيير التي تقوم بها العولمة هي اختراق ثقافة الشعوب وسلب خصوصيتها ، عن طريق السيطرة على الإدراك بمعنى اختطافه وتوجيهه ، ثم سلب الوعي والهيمنة على الهوية الثقافية ، بغرض إخضاع النفوس ، وتعطيل فاعلية العقل ، وتخريب نظام القيم وقوالب السلوك ، وتكريس نوع من الاستهلاك لنوع معين من المعارف والسلع والبضائع .


3- الاتجاه نحو نشر ثقافة الاستهلاك : تسعى تلك الثقافة إلى نشر الثقافة الاستهلاكية بما تمتلكه من بريق لامع وفكر واضح في هذا المجال ، ويمكننا تحديد معالم تلك الثقافية الاستهلاكية فيما يلي :

أ - ثقافة تبريرية وتخديرية تنمي روح الاستهلاك والابتذال والسلبية .
ب - ثقافة تجزيئية برجماتية وضعية نفعية تفتقد الأسس الموضوعية والرؤوية الكلية الشاملة والحس الاجتماعي.
جـ - ثقافة لحظية جامدة أحادية الاتجاه تفتقد البعد التاريخي والخبرة المتراكمة .
د - ثقافة فردية سطحية تفتقد الحس العميق بالهوية الذاتية والوطنية ، تهدف إلى تزييف الوعي والتقليل من أهمية التراث ، واقتلاع ثقافات الشعوب من جذورها .


وبناء على ماسبق فإن الهيمنة الثقافية في البلدان العربية لا تقتصر على ماتكرره الأدبيات الثقافية العربية ممثلة في الغزو الإعلامي عبر الفضائيات ووسائل الاتصالات المعاصرة ( الإنترنت ) ووكالات الأنباء الصهيونية والكتب والمجلات وغيرها التي لانغفل دورها في تمثل العوامل الخارجية للهيمنة للثقافية وهي تلعب دورا لا شك فيه ، ولكن نقطة الضعف المركزية تكمن في البنية التعليمية في بلادنا العربية ، لأنها الأساس الذي تتكون وتنمو وتنضج فيه الكوادر العلمية والفكرية والثقافية والسياسية والاقتصادية ، فهي البؤرة التي يجب أن تتجه إليها جهودنا من أجل الكشف عنها وإعادة صياغة أهدافنا ووسائلنا التعليمية ومناهجنا في فضاء يتسم بالحرية ، حرية الرأي والتفكير والجدل والحوار وتعدد الآراء والأفكرا ، وبذلك نفسح المجال أمام الطاقات الإبداعية في جميع المجالات ، لتكسر سياج التسلط الداخلي ، وأوجه الهيمنة الخارجية ، بإبداعات في جميع الميادين ، تتفاعل مع الثقافات الأخرى وتنهل منها وتنقدها وتمدها بعناصر جديدة بذلك تتحول علاقة الهيمنة إلى علاقة مثاقفة علاقة أخذ وعطاء " فحيثما توجد ثقافة حية نامية متحركة تتعامل مع مشكلات العصر الكبرى وتحدياته المصيرية بنجاح معقول وتتفاعل مع قضاياها الوطنية والفكرية والعلمية والتقنية والفنية بصورة خلاقة ينكمش تأثير الغزو الثقافي ، ويميل فعله إلى التلاشي " .


ويحصر " محمد عابر الجابري" أسباب الغزو الثقافي للثقافة العربية
في أربعة أسباب يمكن تلخيصها في النقاط التالية :

1- واقعـنا المتخلف ، وانتماؤنا إلى قائمة المتخلفين .
2- الغزو الإعلامي السمعي والبصري عبر وسائل الإعلام التي تهدد القيم والأخلاق وتغزو العاطفة والخيال .
3- قصور العرب في تبني الحداثة ، أدى إلى قصور في الفعل والتخطيط على جميع المستويات العلمية والثقافية والاقتصادية والسياسية على المستوى الوطني والقومي العربي ، وهذا مؤشر إلى عدم فهمنا واستيعابنا لأسس الحضارة المعاصرة .
4- إسقاط الحاضر على المستقبل وتقديم حلول للحاضر بكل ما يحمله من نقائص وإعادة إنتاج القديم على المستوى الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والفكري ، أما على المستوى الثقافي فهو متروك للسياسة تمارس عليه المراقبة والقمع ويسود الصوت الواحد ، وهو صوت الجهاز الرسمي.

إذا تفحصنا الأدبيات الثقافية العربية التي تتناول الغزو الثقافي أو الهيمنة الثقافية نجد أكثرها يغلب عليه الطابع الخطابي ، الذي يتعد عن التحليل العميق ، الذي يكشف عن عمق إشكالية الهيمنة ، أي البحث عن أسبابها ومكوناتها وآلياتها ومناهجها وأهدافها القريبة والبعيدة .

 وإذا ماحاولنا حصر خصائص الأدبيات الثقافية العربية 
نجد ملاحظات نقدية أخرى نوجزها في مايلي :

1- الاطناب في وصف مظاهر الهيمنة الثقافية بشكل خطابي يحرك المشاعر ، ويغيب فيها التحليل العلمي العقلاني الواقعي الذي يخاطب العقل .

2- تتميز الأدبيات الثقافية العربية بالانتقائية والعشوائية في وصفها للهيمنة الثقافية بأسلوب يغلب عليه طابع الاستشباع والتعجب والاستفهام ، مبرزا مظاهر الهيمنة والنهب والعنصرية الأوروبية ودورها في سلب الإنسان في العالم العربي من ثقافته وتراثه .

3- إهمال الكثير من الأدبيات الثقافية والبحث عن الأسباب الحقيقية الظاهرة والخفية للهيمنة الثقافية في الطرفين المهيمن والمهيمن عليه ، وإظهار الطرف الثاني في صورة المغلوب على أمره ، وأنه ضحية مؤامرة غريبة استعمارية .

4- ميل أغلب الأدبيات الثقافية العربية إلى عدم مناقشة القاعدة المادية للتطور الغربي مثل الجانب الاقتصادي وعلاقته بالتقدم الغربي ، وإهمال قاعدة المادية في العالم العربي ودورها في تخلفه الذي جعلها في موقع المنفعل لا الفاعل في ثقافته وفي اقتصاده ، وتقدم التطور في أوروبا للقارئ العربي كأنه سر مغلق خطفته أوروبا من العرب في بداية عصورها الحديثة .

5- إهمال جل الأدبيات الثقافية العربية وتقديم الحلول لكيفية التعامل مع الهيمنة الثقافية الغربية ، واقتصارها على عرض مظاهرها وإبراز مخاطرها ، وعدم تناول هذه الأدبيات للأسباب التاريخية والاقتصادية لتقدم الطرف المهيمن ، وتخلف الطرف المهيمن عليه أدت إلى خلق وعي زائف يخدم استمرار الهيمنة وزيادة ترسيخها في المجتمعات العربية .

6- عدم وضوح أهداف بعض الأدبيات الثقافية العربية وأحيانا جرها إلى التطرف أو التعصب " على الرغم من النوايا الحسنة والمقاصد التقدمية أحيانا ، للانزلاق باتجاه المواقف الرجعية اجتماعيا والسلفية ثقافيا ، هذا في أحسن الأحوال ، أما أسوأها فإنها تطرح نفسها صراحة كدعوات سلفية وارتدادية تدافع عن نكوصيتها بدون تغليف أو مواربة . " ويتجلى ذلك في تمسك أصحاب هذه الأدبيات بمفهوم (الأصالة) الذي يعد مفهوما ميتافيزقيا لا ينتمي إلى الزمن وتحدياته ، وينفلت من التحولات التاريخية الاجتماعية والفكرية ، فبدلا من أن تعطي تلك الأدبيات الثقافية مفهوما مرنا للأصالة يحمل دلالات تترجم المصالح الملحة الراهنة ، وقضايا المجتمع الاجتماعية والثقافية والفكرية والعلمية والسياسية من أجل مواجهة الهيمنة ، تصر على تبني مفهوم جامد للأصالة ذي خصائص ثابتة غير قابلة للتغيير والتجديد .

7- تنظر بعض الأدبيات الثقافية العربية لمظاهر الحداثة في عصرنا الحديث على أنها تمثل صورة جلية للهيمنة الثقافية على العالم العربي وصورة من صور الغزو الثقافي ، فتلجأ إلى إدانتها ، دون أن تحدد ماهية هذه الهيمنة وكيفية علاجها .

8- كما تنتظر إلى المواطن العربي على أنه دائما منفعل لا فعال ، هو دائما متلق لا مرسل ، دون أن تبحث عن الأسباب العميقة الكامنة وراء ذلك ، الذاتية أو الخارجية ، وهي تدعو دائم إلى الحجر عليه بمنع بعض الكتب والمنشورات والفضائيات ، وهي بذلك تتعامل معه كالطفل الذي يجب حمايته من الخارج عن طريق منع تلك الوسائل عنه ، وهي نظرة تنم عن احتقار ، فبدل أن تدعو إلى إعطائه هامشا أكبر للحرية ، وتعمل على تحصينه من الداخل أي بنائه نفسيا وأخلاقيا وعلميا ، حتى يعرف كيف يتعامل مع المؤثرات الخارجية ، ويتحول بذلك من إنسان منفعل متعلق ، إلى فاعل ومشارك في بناء الحضارة المعاصرة ، نلاحظ جل الأدبيات الثقافية العربية تركز على العوامل الخارجية للهيمنة الثقافية ، بينما نجد الكثير من العوامل مستمدة من إرثنا الثقافي على المستوى الفكري والاجتماعي والتربوي والتعليمي ، وقد رسختها نظمنا التربوية والتعليمية السائدة ، فالعوامل الخارجية والداخلية تتضافر في خدمة الهيمنة الثقافية لا يمكن أن تصل إلى أهدافها مع وجود ثقافة حية فاعلة متحركة مبدعة ، تعالج مشاكل المجتمع الواقعية ، وتتغير وتتحول وتتطور مع تطور المجتمع وتستفيد من التطورات العالمية على جميع المستويات .

9- أما المرجعية التي تعتمد عليها الأدبيات الثقافية العربية ، فهي المرجعية التراثية ، والمرجعية الأوروبية ، الأولى : فهي تضخيم وتفخيم التراث العربي ، وتمجيده ، وتنادي بهوية جامدة مأخوذة من التراث ، أما الثانية: ذات الأصول الثقافية الأوروبية الصرفة ، وترفض التراث العربي ، وهي ترفع شعار ( إننا لا ننهض إلا بما نهضت به أوروبا ) وعلينا التمسك بخصائص الهوية العربية التي استطاعت أن تتطور فشيدت الحضارة المعاصرة ، أما الأدبيات الثقافية المنفتحة على المرجعين السابقين ، فهي تتعامل مع منظور نقدي مع المرجعين عن طريق بث الحياة فيما هو قابل للحياة والتطور من عناصر التراث العربي وإدخاله إلى حيز الممارسة وبالتالي تجاوزه ، وعدم الانبهار بكل ماجاء من أوروبا وإخضاعه للفحص والنقد من أجل بناء هوية ثقافية عربية تواكب العصر وتطوراته .

10- وأما مناهج الأدبيات الثقافية العربية للوصول إلى أهدافها ، فهي فهي تختلف فذات المرجعلية التراثية تستخدم عادة أساليب تراثية خطابية ، تعتمد على تحريك العواطف ودغدغة المشاعر الدينية ، وعلى التاريخ ، والقياس والمقارنة منهجا . أما ذات المرجعية الأوروبية ، والمنفتحة على المرجعين التراثية والأوروبية فهي تستخدم أساليب الجدل والمنطق والمناهج التاريخية الجدلية الهيجلية والمادية التاريخية ، والمنجزات العلمية المنهجية المعاصرة ، مثل البنيوية ، وتحليل الخطاب وتحليل المضمون ، والسيميولوجية والتفكيكية وغيرها من القراءات المعاصرة .


                                                                                               Dr.sayed gonim